الطبراني

369

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ؛ أي لعلّكم تكرهون الجهاد وهو خير لكم لما فيه من النصر لدين اللّه تعالى على أعداء اللّه ؛ والفوز بالغنيمة مع عظم المثوبة ، وإدراك محلّ الشّهداء ( وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ) أي لعلّكم تحبّون القعود عن الجهاد وهو شرّ لكم ، تحرمون الفتح والغنيمة والشهادة ، ويتسلط عليكم العدوّ . قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) ؛ أي يعلم ما فيه مصلحتكم وما هو خير لكم في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك ، فبادروا إلى ما أمرتم به إذ ليس كلّ ما تشتهون خيرا ، ولا كل ما تحذرون شرّا . وفي هذه الآية دلالة على فرض القتال كما قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ « 1 » وأراد به فرض الصيام . ثم لا يخلو القتال المذكور في هذه الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرفه المخاطبون وهو قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ « 2 » وقوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ « 3 » . وتكون هذه الآية تأكيدا لذلك القتل المعهود الذي علم حكمه ، فيكون القتال في هذه الآية راجعا إلى جنس القتال ، فتكون هذه الآية مجملة مفتقرة إلى البيان ؛ لأن من المعلوم أن اللّه تعالى لم يأمر بالقتال الناس كلهم ، فلا يصحّ اعتقاد العموم فيه ، فكان بيان هذا المجمل بقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ « 4 » وقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ « 5 » . قوله عزّ وجلّ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ؛ قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث ابن عمّته عبد اللّه بن حجش « 6 » قبل قتال بدر ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وهو

--> ( 1 ) البقرة / 183 . ( 2 ) البقرة / 190 . ( 3 ) البقرة / 191 . ( 4 ) التوبة / 29 . ( 5 ) التوبة / 5 . ( 6 ) عبد اللّه بن جحش الأسدي : أمه أميمة بنت عبد المطلب . أسلم قبل دخول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دار الأرقم ، هاجر الهجرتين ، أخته زينب بنت جحش زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وأول لواء عقد رسول اللّه كان -